الذهبي

669

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

وفيها أخذت الفرنج بيت المقدس ؛ لما كسرت الفرنج خذلهم اللَّه ، المسلمين عَلَى أنطاكية في العام الماضي قووا وطغوا ، وكان تاج الدّولة تتش قد استولى عَلَى فلسطين وغيرها ، وانتزع البلاد من نُوّاب بني عُبَيْد ، فأقطع الأمير سُقْمان بن أرتق التركماني بيتَ المقدس ، فرتبه وحصّنه ، فسار الأفضل بْن بدر أمير الجيوش ، فحاصر الأمير سُقْمان وأخاه إيلغازي ، ونصبوا عَلَى القدس نيفًا وأربعين منجنيقًا ، فهدموا في سوره ، ودام الحصار نيفًا وأربعين يومًا ، وأخذوه بالأمان في شَعْبان سنة تسع وثمانين ، وأنعم الأفضل عَلَى سُقْمان وأخيه ، وأجزل لهم الصِّلات ، فسار سُقْمان واستولى عَلَى الرُّها ، وذهب أخوه إلى العراق ، ووُلّي عَلَى القدس افتخار الدولة المصري ، فدام فيه إلى هذا الوقت ، وسارت جيوش النصرانية من حمص ، فنازلت عكّا أيّامًا ، ثمّ ترحّلوا وأتوا القدس ، فحاصروه شهراً ونصفا ، ودخلوه من الجانب الشمالي ضحوة نهار الجمعة لسبعٍ بقين من شَعْبان ، واستباحوه ، فإنا لله وإنا إِلَيْهِ راجعون . واحتمى جماعة ببرج دَاوُد ، ونزلوا بعد ثلاثٍ بالأمان ، وذهبوا إلى عسقلان . قال ابن الأثير : قتلت الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد عَلَى سبعين ألفًا ، منهم جماعة من العلماء والعبّاد والزُّهّاد ، وممّا أخذوا أربعين قِنْديلًا من الفضّة ، وزن القِنْديل ثلاثة آلاف وستمائة درهم ، وأخذوا تنُّورًا من فضة ، وزنه أربعون رِطْلًا بالشّاميّ ، وغنموا ما لا يُحْصَى ، وورد المستنفرون من الشّام إلى بغداد صحبة القاضي أَبِي سعْد الهَرَوِيّ ، فأوردوا في الديوان كلامًا أبكى العيون وجرح القلوب ، وبعث الخليفة رُسُلًا ، فساروا إلى حلوان ، فبلغهم قتل مجد الملك الباسلانيّ ، فردّوا من غير بلوغ أربٍ ، ولا قضاء حاجة ، واختلف السلاطين ، وتمكنت الفرنج من الشام ، وللأَبِيوَرْدِيّ : مزجنا دماء بالدموع السواجم . . . فلم يبق منا عرضة للمراجم وشر سلاح المرء دمع يفيضه . . . إذا الحرب شبت نارها بالصوارم فإيها بني الإسلام ، إنّ وراءكم . . . وقائع يلحقن الردى بالمناسم